كتب: عبد الرحمن سيد

وسط تصاعد التحديات الأمنية وتزايد بؤر التوتر الدولية، أكدت نائبة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو" رادميلا شيكرينسكا أن الحلف يواجه واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيدًا وتقلبًا في تاريخه الحديث، مشيرة إلى أن القمة المرتقبة للحلف في أنقرة ستكون محطة مفصلية للانتقال من مرحلة التعهدات السياسية إلى بناء قدرات عسكرية عملية قادرة على مواجهة التهديدات المتزايدة، إلى جانب تعزيز الدعم المقدم لأوكرانيا.

وخلال كلمتها أمام الجلسة العامة للجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي في فيلنيوس، شددت شيكرينسكا على الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها ليتوانيا ودول البلطيق في منظومة الأمن عبر الأطلسي، مؤكدة أن الحلف يمتلك الجاهزية الكاملة للدفاع عن جميع أراضي الدول الأعضاء دون استثناء.

كما أعربت عن تضامن الحلف مع رومانيا عقب حادثة الطائرة المسيّرة التي وقعت الأسبوع الماضي، مؤكدة أن دول الجناح الشرقي للناتو تدرك بصورة مباشرة حجم التهديدات الناجمة عن السياسات الروسية، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وما يصاحبها من استهداف للبنية التحتية والمناطق المدنية.

وأكدت أن المخاطر المرتبطة بروسيا لن تتوقف حتى في حال انتهاء الحرب الأوكرانية، لافتة إلى أن موسكو تواصل تعزيز قدراتها العسكرية عبر تخصيص ما يقارب 40% من موازنتها للإنفاق الدفاعي، بالتوازي مع تسريع وتيرة إنتاج المعدات والأسلحة العسكرية.

ولم تقتصر التحذيرات على التهديدات الروسية فحسب، إذ أشارت المسؤولة الأطلسية إلى تحديات أمنية أخرى تواجه الحلف، معتبرة أن إيران تمثل مصدر قلق متزايد بسبب برامجها النووية والصاروخية، فضلاً عن محاولاتها التأثير في حركة الاقتصاد العالمي عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز.

وترى قيادة الناتو أن هذه التطورات تفرض على الدول الأعضاء زيادة الاستثمارات الدفاعية وتسريع وتيرة تطوير القدرات العسكرية المشتركة، وهو ما سيكون محورا رئيسيا خلال قمة أنقرة المقررة خلال الأسابيع المقبلة، والتي تستهدف ترجمة الالتزامات السابقة إلى خطوات تنفيذية ملموسة.

وأوضحت شيكرينسكا أن الحلفاء كانوا قد اتفقوا خلال قمة لاهاي العام الماضي على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مشيرة إلى أن القمة المقبلة ستركز على تحويل هذه الموارد إلى قدرات قتالية فعلية، مع توسيع الإنتاج العسكري وتعزيز الدعم الدفاعي المقدم لأوكرانيا.

وكشفت أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي والكندي سجل ارتفاعًا بنسبة 20% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، بما يتجاوز 100 مليار دولار إضافية، معتبرة أن هذه الزيادة تمثل تقدمًا ملحوظًا في مسار تقاسم الأعباء والمسؤوليات داخل الحلف

وفي ملف العلاقات عبر الأطلسي، أكدت نائبة الأمين العام أن الشراكة بين أوروبا والولايات المتحدة لا تزال ركيزة أساسية لأمن الحلف، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة اضطلاع الدول الأوروبية بدور أكبر في مجالات الدفاع التقليدي، بما يساهم في بناء منظومة دفاعية أكثر قوة داخل الناتو.

ودعت إلى توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية عبر الأطلسي وتسريع إنتاج أنظمة الدفاع الجوي والطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكدة أن التطورات الأخيرة على الجبهة الشرقية كشفت الحاجة الملحة إلى تعزيز القدرات الدفاعية والتكنولوجية الحديثة.

وفي ما يتعلق بالحرب الأوكرانية، شددت شيكرينسكا على أن أمن كييف يرتبط بشكل مباشر بأمن الحلف، مؤكدة ضرورة استمرار الدعم العسكري بصورة مستقرة وقابلة للتنبؤ على المدى الطويل.

وأوضحت أن آلية "قائمة الاحتياجات الأوكرانية ذات الأولوية" التابعة للناتو ساهمت في توفير نحو 70% من الصواريخ المستخدمة في بطاريات باتريوت الأوكرانية، إلى جانب 90% من الذخائر المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي الأخرى، لكنها أكدت أن أوكرانيا ما زالت بحاجة إلى مزيد من أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والذخائر.

وأضافت أن أوكرانيا تحولت من مجرد دولة تتلقى المساعدات الأمنية إلى شريك فاعل في تطوير الابتكار العسكري، واصفة إياها بأنها أحد أكثر المختبرات الواقعية تقدمًا في مجالات الطائرات غير المأهولة والحرب الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري.

واختتمت المسؤولة الأطلسية تصريحاتها بالتأكيد على التزام الحلف بمواصلة تعزيز قدراته الردعية والدفاعية، وزيادة الإنتاج العسكري، وضمان استمرار الدعم لأوكرانيا، بما يعزز أمن واستقرار الدول الأعضاء في مواجهة التحديات المتسارعة التي يشهدها العالم.